تشكّل مناسبة الهجرة النبوية الشريفة، على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم، محطة فارقة في تاريخ الأمة؛ إذ لم تكن مجرد انتقال جغرافي لرسول الله صلوات الله عليه وآله من مكة إلى المدينة، بل مثّلت نقطة تحول استراتيجية للبشرية، واللبنة الأولى لتأسيس وبناء الدولة الإسلامية.
وفي ظل المرحلة الراهنة التي تمر بها الأمة جراء غطرسة وهيمنة قوى الاستكبار العالمي بقيادة “أمريكا وإسرائيل وحلفائهما”، تتضاعف أهمية استحضار المناسبة الدينية الجليلة؛ لا لمجرد السرد التاريخي، بل لاستلهام الدروس الحيّة في مواجهة التحديات القائمة، وما تتعرض له الأمة والشعوب المستضعفة من عدوان غاشم وجرائم إبادة وحصار جائر.
إن التدبر في مسار الهجرة النبوية يكشف، بما لا يدع مجالاً للشك، عن دلالات عميقة صاغت المنهجية الإسلامية في مواجهة مختلف التحديات، وفي مقدمتها التخطيط الاستراتيجي والأخذ بالأسباب؛ حيث أثبتت الهجرة النبوية أن الرسول صلوات الله عليه وآله تحرّك وفق خطة دقيقة ومحكمة ركيزتها: التمويه، واختيار الرفيق، واستخدام الطرق البديلة، وتوزيع الأدوار.
تجلّت في هذه المناسبة الدينية الجليلة، معاني الإيثار والتضحية في أبهى صورها من خلال مبيت الإمام علي عليه السلام في فراش الرسول الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، مقدمًا روحه ونفسه فداءً للنبي الأكرم، لتضرب الهجرة بذلك أول وأعظم دروس الفداء والتضحية في مواجهة مؤامرات الطغاة والمستكبرين.
لقد مثلت الهجرة النبوية خطوة أولى في التلاحم والوحدة بين المهاجرين والأنصار، حيث آخى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بينهم، ليمثل ذلك أنموذجاً فريداً في محو العصبيات القبلية، وإيجاد مجتمع متماسك قادر على خوض الصعاب وبناء دولة إسلامية صلبة الأركان.
تتشابه ظروف الأمة اليوم إلى حد كبير مع المرحلة التي سبقت الهجرة النبوية، حيث تحالفت قوى الشرك والضلال في مكة لإنهاء الرسالة المحمدية وتصفية رمزها، وهو المسار ذاته الذي تسلكه اليوم قوى الاستكبار العالمي في محاولاتها المستمرة لتصفية القضية الفلسطينية وتركيع شعوب المنطقة، عبر استهداف دول ومكونات محور المقاومة في “اليمن، وفلسطين، ولبنان، وسوريا، والعراق، وإيران”، بالاعتماد على الحصار الاقتصادي، والعدوان العسكري، والاغتيالات، والمجازر الوحشية.
إن الدروس المستفادة من ذكرى الهجرة النبوية تضع الأمة اليوم أمام مسؤوليتها الدينية والتاريخية، ومثلما رفض المسلمون الأوائل القبول بظلم قريش وهجروا ديارهم لبناء مقدرات القوة، يتجسد ذلك اليوم في موقف محور المقاومة الذي يرفض الخنوع للهيمنة الأمريكية، الصهيونية، متمسكاً بحقه المشروع في الدفاع عن مقدساته، ومواجهة الطغيان بكل الوسائل.
كما أن حالة الحصار الاقتصادي والحروب المفروضة على شعوب المحور، تتطلب إحياء قيم الإيثار، والإنفاق، والتكافل الاجتماعي، والالتفاف الشعبي الكامل حول القيادة والمجاهدين، وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص واعدة للاكتفاء الذاتي وبناء القوة الذاتية.
إن إحياء ذكرى الهجرة النبوية، هو تجديد للعهد والولاء لرسول الله -صلوات الله عليه وآله، وتأكيد بأن الأمة التي استلهمت من النبي الكريم كيف تصنع من “المطاردة والاستضعاف” دولةً هزت عروش كسرى وقيصر، قادرة اليوم باعتمادها على الله وثقتها بنصره على كسر قرن الشيطان، وهزيمة غطرسة الاستكبار، وتطهير المقدسات الإسلامية.
ستبقى مناسبة الهجرة النبوية مدرسة متكاملة في العلم والجهاد، يستفيد منها أحرار الأمة معاني وقيم الصبر والتضحية في سبيل النصر والتمكين، وإدراك أن الباطل مهما امتلك من أدوات الدمار والترهيب، سيكون مصيره الزوال أمام قوة الإيمان والتحرك في سبيل الله.










