لم يعد المشهد في محافظة تعز يحتمل مواربة الكلمات أو تجميل الوقائع؛ فالجريمة مكتملة الأركان، والضحية شعبٌ يُنحر مرتين: مرةً بغارات العدو السعودي وأخرى بحصار تحشيداته وأدواته التي أثبتت الأيام عداءها الممنهج لكل ما هو إنساني.
إن إقدام العدو السعودي ومرتزقته، على إعادة إغلاق “منفذ جولة القصر – الحوبان”، يمثل إعلاناً صريحاً لحرب مفتوحة على أبناء تعز، وسلوكاً انتقامياً فجاً اعتادت الجيوش المهزومة اللجوء إليه؛ فكلما عجزت عن مواجهة الرجال في ميادين الشرف والبطولة، استأسدت على الشيوخ والنساء والأطفال.
يشكل منفذ “جولة القصر” الرابط الحيوي والمباشر الوحيد بين مركز مدينة تعز ومنطقة الحوبان الصناعية، وهو المنفذ الذي انتزعته إرادة صنعاء ومبادراتها الحكيمة والمسؤولة ليكون رئة يتنفس منها أبناء المحافظة والمتنفس الاقتصادي والخدمي الأهم لسكانها، حيث لا تتجاوز مدة التنقل عبره في الظروف الطبيعية ما بين عشر إلى خمس عشرة دقيقة.
ولم يُغلق المنفذ لدواعٍ أمنية كما تزعم أبواق تحشيدات الارتزاق، بل أُغلق لأن كسر الحصار يُسقط تجارة الحروب ويكشف زيف مشاريع الاحتلال، مجسداً سياسة “ليّ الأذرع” الرخيصة التي ينتهجها العدو السعودي وأدواته لتعويض صفعات الردع المتتالية أمام ثبات واستبسال القوات المسلحة اليمنية التي فرضت معادلة “الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”.
وعلى مدار سنوات العدوان، تحول هذا الممر إلى أداة ابتزاز وحصار بيد مرتزقة العدو السعودي، حيث ظل مغلقاً أمام حركة المدنيين حتى يونيو 2024م، مع عجز أولئك المرتزقة عن تحقيق أي إنجاز ميداني، لجأوا إلى تفخيخ وقطع الممرات الإنسانية، بالتزامن مع تحشيدات عسكرية مكثفة دفع بها العدو لإنعاش خطوط التماس المتهاوية؛ غير أن تلك الرهانات تكسرت أمام صلابة واستبسال أبطال القوات المسلحة، ليرتد العدو ومرتزقته نحو خياره الأكثر خسة: في إغلاق المنفذ يوم السبت الماضي وشل حركة المرضى، وإعادة فرض الحصار الداخلي لتحويل أوجاع المدنيين إلى ورقة ابتزاز سياسي رخيصة.
ويُصنف هذا الإجراء التعسفي قانونياً كجريمة عقاب جماعي واستخدام للتجويع وخنق المدنيين كأداة من أدوات الحرب، وهي جرائم حرب لا تسقط بالتقادم، تفضح بصورة جلية أن من يدعي “تحرير تعز” لا يتورع عن خنق أهلها حتى الموت، ففي محيط جولة القصر، تعالت الصرخات الشعبية المستنكرة من الشيوخ والنساء والاطفال: “كفى استرخاصاً لدمائنا”، حيث تحولت دموع العالقين إلى غضب شعبي عارم في وجه مرتزقة العدوان؛ إذ أدان المواطنون بجميع شرائحهم والناشطون هذه الجريمة المنافية لكافة القيم والأعراف والقوانين الإنسانية والدولية، محملين العدو السعودي ومرتزقته المسؤولية الجنائية والتاريخية الكاملة عن مضاعفة معاناة أبناء تعز المحاصرين منذ 12 عاماً.
منفذ جولة القصر.. شريان ومتنفس وحيد
جاءت إعادة فتح المنفذ في 13 يونيو 2024م بعد جهود محلية وعسكرية مضنية بذلتها القيادة، لتمنح أبناء تعز نافذة أمل لاستعادة مظاهر الحياة الطبيعية.
ووثقت إحصاءات السلطة المحلية وشبكات حقوق الإنسان أن الشهر الأول فقط من إعادة فتح المنفذ شهد عبور أكثر من 778 ألف شخص، بمتوسط يومي بلغ نحو 27 ألفاً و791 مسافراً، إلى جانب حركة تدفق شملت ما يقارب 130 ألف مركبة؛ وهي مؤشرات رقمية تعكس الاحتياج الإنساني والخدمي الهائل الذي كان يلبيه هذا الشريان، وتفضح فداحة المعاناة الإنسانية التي أعاد المرتزقة فرضها بإغلاقه مجدداً.
وقائع الإغلاق والتزامن مع التصدع الميداني للعدوان
أعلنت تحشيدات العدو السعودي وعناصر حزب الإصلاح بقيادة المجرم يوسف الشراجي، صباح السبت، إغلاق منفذ الحوبان بذريعة “دواعٍ أمنية”، ولم تمضِ سوى ساعات معدودة حتى شن طيران العدو السعودي غارات جوية استهدفت المنفذ ذاته، في تناقض صارخ يفضح زيف الذرائع ويكشف حقيقة النوايا التدميرية التي أسفرت عن أضرار بالغة في البنية التحتية للمنفذ.
وسرى قرار الإغلاق بشكل فوري ودون تحديد سقف زمني لإعادة تشغيله ولم يكن هناك بديل، لينضم هذا الطريق إلى قائمة شملت 19 طريقاً رئيساً وفرعياً في محيط المدينة أغلقها مرتزقة العدو السعودي بصورة تعسفية.
يأتي هذا التعنت امتداداً لسلوك معرقل وممنهج؛ ففي مارس 2025م، رفض حزب الإصلاح مبادرة رسمية لفتح طريق الحوبان خلال شهر رمضان المبارك، مما يبرهن على أن المعرقل الفعلي لحرية الحركة هو ذاته من يتستر خلف لافتة “الأسباب الأمنية”.. كما شهدت السنوات الماضية انتهاكات متكررة لقطاع الطرق من المرتزقة، تمثلت في نهب سيارات المسافرين، والسطو على منازل ومباني المواطنين، وممارسة القتل في مدينة تعز، والاعتقالات التعسفي بحق المارة.
الانتكاسة الميدانية أمام ثبات القوات المسلحة.. الدوافع الحقيقية للتصعيد
تزامن إغلاق المنفذ مع سلسلة هزائم عسكرية مدوية منيت بها تحشيدات العدو في جبهات تعز؛ ففي سبتمبر الماضي حققت القوات المسلحة اليمنية تقدماً استراتيجياً واسعاً في الساحل الغربي، وطهرت قرابة 90% من المسارات والخطوط الجنوبية للمحافظة، ما تسبب في انهيار دفاعات مرتزقة العدو السعودي وفرار وطرد تحشيداتهم من مناطق التربة ومديريتي – الشمايتين – وسامع باتجاه عمق المدينة.
ووثقت مشاهد الإعلام الحربي تحشيدات مرتزقة العدو السعودي وانسحاباتهم المذلة، مطلقين استغاثات تتحدث عن “الخذلان” الذي لحق بهم، في مشهد جسد ذروة الانهيار النفسي والمعنوي لمعسكرات العدوان وأدواته.
وبناءً على تلك المعطيات، فإن إغلاق منفذ جولة القصر لم يكن تدبيراً أمنياً واحترازياً، بل مناورة يائسة للتغطية على الانكسارات العسكرية الفادحة، وصناعة أزمة إنسانية مفتعلة وتوظيفها دعائياً تحت عنوان “حصار تعز” لصرف الرأي العام عن التهاوي الميداني المتسارع.
تصاعد الرفض الشعبي وتنديد النخب المجتمعية
قوبل قرار مرتزقة العدو بإغلاق المنفذ الشرقي في “جولة القصر – الحوبان” بموجة سخط واستنكار واسعة النطاق في الأوساط الشعبية والإعلامية والحقوقية، التي أجمعت على أن هذا التعنت يشكل جريمة حرب مركبة تستهدف خنق المدنيين وتعميق الكارثة المعيشية لكل أبناء تعز.
وأكد الناشط الإعلامي عادل الكمالي، أن التحركات والتحشيدات العسكرية التي يدفع بها النظام السعودي داخل مدينة تعز، تكشف عن مخطط تخريبي مشبوه يهدف إلى تفجير اقتتال أهلي وإشعال فتيل الصراعات بين أبناء المحافظة في عمق المدينة.
ولفت إلى أن إقدام مرتزقة العدو السعودي على إصدار بيان يقضي بتعطيل هذا الممر الحيوي، يمثل استهدافاً غادراً لشريان الحياة الذي يعتمد عليه آلاف المواطنين يومياً، لاسيما الحالات المرضية الحرجة، والنساء، والأطفال، والمسافرين من شتى المحافظات.
وشدد على أن إغلاق المنفذ يرقى إلى “جرائم الحرب المكتملة الأركان” المرتكبة دون مسوغ عسكري أو قانوني.. مبيناً أن المنفذ يقدم خدمات مدنية وإنسانية بحتة تسخر لصالح كافة أبناء الشعب.
ووجه الكمالي نداءً عاجلاً إلى عقلاء ورجال محافظة تعز للوقوف صفاً واحداً لإلغاء هذا الإجراء التعسفي والتحرك الحازم ضد مرتكبيه.. محذراً من النوايا المبيتة لارتكاب جرائم عزل ممنهجة وحرمان السكان من حقوقهم الأساسية في التنقل، في وقت تقتضي فيه المسؤولية توسيع المنافذ ورفع القيود.
من جهتهما استنكر الناشطان الإعلاميان ماجد الجنيد، ومحمد الأغبري، القرار الإجرامي، وسلوك العصابات المارقة المتجردة من أدنى التزام قيمي وديني أو مشروع وطني.. مؤكدين أن المصلحة العامة كانت تستوجب فتح ممرات ومسارات إضافية بدلاً من الإمعان في التضييق خضوعاً لإملاءات العدو السعودي الذي تسبب في عزل تعز وقطع 19 طريقاً حيوياً عنها.
وتطرق الجنيد والأغبري إلى المأساة الممتدة على مدى 12 عاماً، التي ترزح فيها المحافظة تحت وطأة عصابات اتخذت من القتل والنهب والارتزاق مهنة لها.. مشيرين إلى أن ما يجري داخل مدينة تعز يندى له جبين الإنسانية، في الوقت الذي تتطلع فيه الأغلبية الساحقة من أبناء المحافظة لاستعادة الأمن، ولم الشمل، وكسر أغلال الارتهان.
وذكرا أن مرتزقة العدو السعودي استخدموا المدنيين دروعاً بشرية وورقة ابتزاز واستجداء في المحافل الدولية طيلة سنوات العدوان؛ لافتين إلى أن تنامي وعي أبناء تعز وإدراكهم للطرف الحقيقي المسؤول عن معاناتهم الإنسانية وقطع الطرق، واستهداف المنشآت، وتمزيق النسيج الاجتماعي.
ووجّها رسالة النصح للمغرر بهم ممن استقطبتهم تحشيدات العدو السعودي في مدينة تعز.. مذكرين إياهم بالقول: “لقد قلتم لنا في بداية العدوان جئناكم بالذبح”، وها نحن اليوم نقول لكم “جئناكم بالصفح والسلام، وبقرار عفوٍ شامل”.
بدوره، حمل الأديب والكاتب نجيب القرن، العدو السعودي ومرتزقته المسؤولية الكاملة عن التداعيات المترتبة على إغلاق شريان الحوبان الشرقي (طريق القصر).. مؤكداً أن المتضرر الأكبر من هذه القرارات الانتقامية هو المواطن المغلوب على أمره في معيشته وحركته اليومية.
وأوضح أن هذه الإجراءات تكرس النهج العدائي الممارس ضد اليمنيين منذ بدء العدوان الغاشم في العام 2015م.. مبيناً أن حزب الإصلاح وأدوات الارتزاق سيتحملون وزر التداعيات الإنسانية الوخيمة، نظراً لكون القرار مرتهناً لإرادة ومصالح أطراف خارجية لا تكترث لمصالح أبناء تعز.
وأشار القرن، إلى أن الإغلاق يسعى إلى التمترس خلف المدنيين وتعريض مقدراتهم ومنازلهم للخطر.. داعياً إلى تحييد التجمعات السكانية، والأسواق، والمنشآت التجارية عن مسار الجبهات العسكرية، ونقل التحشيدات بعيداً عن أعيان وممتلكات المواطنين.
إلى ذلك، استعرض سائقو حافلات النقل والمواطنون، ومن بينهم عائلات تعرضت للاحتجاز والتشتيت بين مدينة تعز المرتهنة وأسر مدينة الحوبان الحرة والجديدة، التداعيات الجسيمة لهذا التصرف التعسفي.. موجهين رسالة إلى أبناء المجتمع داخل المدينة مؤكدين أن قطع المنفذ يضع قبائل تعز ونخبها الوطنية وعقلائها أمام استحقاق تاريخي وأخلاقي حاسم؛ إذ لم يعد التغاضي ممكناً أمام ممارسات عصابات جعلت من معاناة الناس سلعة للمساومة والتربح في أسواق العمالة والارتهان.
وأشار المواطنون إلى أن ما أقدم عليه مرتزقة العدو السعودي في منفذ جولة القصر ليس مجرد إجراء عسكري، بل سقوط أخلاقي وديني وقيمي مدو، وبرهان ساطع على أن حاملي المشاريع التمزيقية التابعين للعدو السعودي لا يمكن أن يؤتمنوا على كرامة وحياة المواطن اليمني.
ولفتوا إلى أن العدو السعودي ومرتزقته يتحملون التبعات الجنائية عن كل قطرة دم تُراق وكل نفس تُزهق وكل دمعة عين تذرف بسبب هذا التغييب للذاكرة الجمعية لليمنيين.. مشددين على أن هذا الحصار الممنهج سيظل شاهداً على إفلاسهم العسكري والأخلاقي، ووقوداً لانتفاضة مجتمعية عارمة تقتلع أدوات الوصاية من جذورها.
ونوه المواطنون إلى أن العدو السعودي يسعى عبر أدواته إلى مفاقمة الأزمة الإنسانية عمداً؛ فبينما شكل فتح الطريق شرياناً أساسياً لتأمين سبل العيش وتيسير إسعاف الحالات المرضية وتسهيل التنقل، يأتي إغلاقه اليوم ليكشف الإصرار على خنق تعز وتجويع أهلها خدمة لمطامع المحتل وأجنداته المشبوهة.
وجددوا التأكيد بأن كافة المحاولات البائسة لتعميق الأزمة المعيشية واستهداف مقومات الصمود في تعز تعري ادعاءات قوى العدوان.. مشددين على أن الرهان على تطويع وإخضاع الأحرار بسياسات العقاب الجماعي لن يحصد منه الغزاة وأدواتهم سوى الخزي والمساءلة الوطنية والتاريخية الحتمية.
وثمنوا مبادرة السلطة المحلية في المحافظة لفتح طريق تعز البرح مفرق المخا الحديدة لتخفيف معاناة المواطنين.
وجدد محافظ تعز أحمد المساوى دعوته للمغرر بهم للاستفادة من آلية العفو الرئاسي العام، أسوةً بما تحقق في مديريات الساحل الغربي.. مؤكداً أن القوات المسلحة ملتزمة التزاماً قاطعاً بتوفير الأمان لكل من لا يعيق مهامها الوطنية في التصدي لتحشيدات العدو السعودي ودحر مؤامراته.
وأوضح أن القوات المسلحة تمنح الأمان والضمانة الكاملة بموجب قرار العفو العام لكافة المخدوعين والمنخرطين في صفوف تحشيدات العدو السعودي ممن قرروا النأي بأنفسهم عن القتال والعودة إلى جادة الصواب وحضن الوطن.
وأشاد المحافظ المساوى بالمواقف الوطنية المشرفة لعقلاء ورجال تعز الذين يواصلون بذل جهود مخلصة لتجنيب المدينة ويلات مؤامرات ومخططات العدو.. منوهاً بوعي ويقظة أبناء تعز الأحرار وإدراكهم لمخططات التمزيق، وعدم اكتراثهم بالأبواق والبيانات الصادرة عن شقق وفنادق الرياض وعواصم الارتزاق.
وقال: “تاريخ تعز الناصع، المكتوب بتضحيات الشهداء، سيبقى شاهداً على أن أبناءها لن يرضخوا للوصاية، وأن قيد الحصار سينكسر لا محالة أمام عزيمة الإرادة الشعبية والسيادية اليمنية”.










