في مفارقة صارخة تعكس حجم التناقض والتضليل المستمر، يمعن العدو السعودي في إنكار الحصار المطبق الذي يفرضه على مطار صنعاء الدولي، متناسياً أن عدوانه الإجرامي الذي انطلق بشرارة ما عُرف بـ “عاصفة الحزم” في 26 مارس 2015م واستهدف المطار منذ ساعاته الأولى ليطوي حتى اليوم 11 عامًا وأربعة أشهر من التنكيل المستمر، هو المتسبب المباشر في تدمير الاقتصاد الوطني ومقومات التنمية وإحداث أكبر مأساة إنسانية في العالم وفق اعتراف المنظمات الدولية.
وحسب تقارير رسمية صادرة عن وزارة الاقتصاد والصناعة والاستثمار مؤخرًا، تجاوزت الخسائر المباشرة وغير المباشرة للاقتصاد اليمني 458 مليار دولار، متضمنة تدمير البنية التحتية وشلل الاستثمارات.
ووسط المأساة الاقتصادية الكبرى، تتوزع خسائر الاستثمارات والقطاعات الإنتاجية بشكل مباشر وغير مباشر، حيث تعرضت المشاريع الاستثمارية المباشرة لتعثر وتضرر أكثر من 55 مشروعًا كبيرًا مرخصاً بخسائر أولية بلغت قيمتها 401 مليار ريال يمني شملت العاصمة صنعاء ومحافظات أخرى.
وعلى صعيد القطاعات الاستثمارية والتجارية، تجاوزت الخسائر الإجمالية التقديرية للقطاع الخاص 75 مليار دولار، بينما تعرضت أكثر من 12 ألف منشأة تجارية واستثمارية للقصف والتضرر بخسائر مباشرة ناهزت قيمتها 12 مليار دولار.
وتتوزع الخسائر الاستثمارية على قطاعات حيوية تشمل القطاع الصناعي التحويلي الذي تكبد خسائر بلغت قيمتها 81.5 مليار دولار نتيجة تدمير 34 مشروعًا صناعيًا كبيرًا وشلل خطوط الإنتاج وإغلاق آلاف المصانع والورش، فيما بلغت خسائر القطاع الخدمي والسياحي 11 مليار دولار نتيجة تعثر 21 مشروعًا خدميًا وسياحيًا وإغلاق المنشآت الفندقية والترفيهية، إلى جانب قطاع التجارة الخارجية الذي خسر 111.13 مليار دولار بسبب الحصار البحري والجوي والقيود على الموانئ، وبلغت خسائر قطاع الاستثمار النفطي والمعدني 57 مليار دولار نتيجة توقف الشركات عن التنقيب وتجميد الصادرات.
أدت الكارثة الاستثمارية والإنتاجية إلى تداعيات بالغة الخطورة تمثلت في مغادرة الاستثمارات العربية والدولية والوطنية لمختلف المجالات، إلى جانب مغادرة شركات نقل الركاب والمسافرين والخبرات المتخصصة إلى خارج البلاد، وإغلاق المئات من وكالات السفر والسياحة وتوقف العمل في أكثر من 15 ألف منشأة سياحية، فضلاً عن تسريح أكثر من 95 بالمائة من العمالة المباشرة في تلك المنشآت وتسببها برفع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية تجاوزت 65 بالمائة وتشريد الأسر التي فقدت مصادر دخلها.
لم يقتصر الدمار على البنية الاقتصادية والاستثمارية، بل امتد ليستهدف التراث والحضارة اليمنية بتدمير وتوقف العمل في نحو 360 موقعًا ومزارًا ومنشأة تاريخية وأثرية بشكل كامل أو جزئي، بما في ذلك المعالم المسجلة ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو.
وإلى جانب المأساة السياحية والاستثمارية الضخمة، امتدت آثار الحصار الممنهج على مطار صنعاء لتكبد القطاع الصحي خسائر مباشرة تجاوزت سبعة مليارات دولار، بحسب ما أعلنه متحدث وزارة الصحة والبيئة، الدكتور أنيس الأصبحي، الذي أشار إلى أن إغلاق المطار أسفر عن وفاة 60 ألف مريض حرموا من السفر لتلقي العلاج في الخارج.
انعكس الانهيار على الواقع الصحي بشكل مفزع تجسّد في تراجع السوق الدوائي بنسبة 60 بالمائة نتيجة صعوبة استيراد المواد الخام والأدوية وعرقلة توفير 1,329 صنفاً علاجياً وتأثر عمل 83 شركة ومستورداً للأدوية.
ويواجه أكثر من 120 ألف مريض سرطان و40 ألف مريض بالثلاسيميا وأمراض الدم الوراثية الموت لعدم دخول أدوية الشحن المبرد، إلى جانب ثمانية آلاف مريض بحاجة للغسيل الكلوي.
ومع معاناة 3.5 ملايين طفل من سوء التغذية الحاد، ووفاة 46 ألف امرأة جراء مضاعفات الحصار ونقص الرعاية، وحرمان أكثر من 20 مليون مواطن من الرعاية الصحية الأساسية، تتكشف دموية الحصار وجرائمه المتكاملة بحق الشعب اليمني.
الأرقام المأساوية للضحايا والخسائر المادية الممتدة عبر أكثر من عقد، لا تعبر عن مجرد إحصاءات اقتصادية وجداول مالية، بل تُجسّد وجع ملايين الأسر والرضع والمرضى الذين حُرِموا من أدنى حقوقهم في الحياة والعلاج، ليظل هذا الواقع المؤلم بقعة سوداء في ضمير المجتمع الدولي والصمت العالمي المريب تجاه ما يرتكبه العدوان والحصار بحق الشعب اليمني.










