بينما تستعد إيران وأمريكا لجولة جديدة من المفاوضات في جنيف ، لايتورع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن استخدام الكذب حول البرنامج النووي الإيراني وترويج المزاعم الصهيونية، محاولا تمرير أهدافه وبطبيعة الحال “أهداف اسرائيل” فيما يتعلق باستعدادات شن عدوان جديد على إيران.
فيما يرد المسؤولون الإيرانيون ويفندون تلك الأكاذيب ويستمرون في تأكيد سلمية البرنامج النووي الإيراني والحق الإيراني ، الذي تكفله القوانين الدولية ، في استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية.
ففي السياق، أتهم المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، اسماعیل بقائي ، اليوم الأربعاء ، الولايات المتحدة وتجار الحروب و”إسرائيل ” باستخدام الكذب وتكراره لخدمة حملة خبيثة للتضليل الإعلامي ضد بلاده ، مشيرا إلى أن الكاذبين المحترفين بارعون في خلق “حقيقة زائفة”.
وأضاف بقائي، في تدوينة على منصة “إكس” رصدتها وكالة الأنباء اليمنية (سبأ): “كرر الكذبة بما يكفي حتى تصبح حقيقة”، قانون دعائي صاغه النازي جوزيف غوبلز، تستخدمه الآن الإدارة الأمريكية وتجار الحرب المحيطون بها، وخاصة الکیان الصهیوني المرتكب للإبادة الجماعية، بشكل ممنهج لخدمة حملتهم الخبيثة للتضليل الإعلامي ضد إيران”.
وأكد أن كل ما يدّعونه بشأن البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية الإيرانية، وعدد الضحايا خلال اضطرابات يناير، ليس إلا تكرارًا لـ”أكاذيب كبرى”.
وأوضح أنه لا ينبغي لأحد أن ينخدع بهذه الأكاذيب الصارخة وعدم تصديقها.
قاليباف يحذّر واشنطن
ومن جانبه، حذّر رئيس مجلس الشورى الإيراني، محمد باقر قاليباف ، اليوم الأربعاء، الولايات المتحدة من أن جميع الخيارات مطروحة على الطاولة، مؤكداً أن بلاده مستعدة لـ”دبلوماسية تُصان فيها كرامة الشعب الإيراني وتُراعى المصالح المتبادلة”، لكنها لن تتردد في الرد إذا تعرّضت لهجوم.
وقال قاليباف في تصريح، وفقا لما نقلت عنه وكالة “تسنيم” الإيرانية للأنباء “إذا اخترتم طاولة الدبلوماسية؛ دبلوماسية تُصان فيها كرامة الشعب الإيراني وتُراعى المصالح المتبادلة، فسنكون نحن أيضاً على الطاولة ذاتها”.
وأضاف: “أما إذا قررتم، عبر الخداع والكذب وسوء التحليل والمعلومات المضللة، تكرار تجارب الماضي والإقدام على هجوم في خضم المفاوضات، فستتذوقون بلا شك طعم القبضة القوية للشعب الإيراني والقوات الدفاعية للبلاد”.
وختم قاليباف تصريحه بمخاطبة الرئيس الأمريكي بالقول: “سيد ترامب، بينما كنا على طاولة المفاوضات، هاجمتمونا بالتنسيق مع الكيان الصهيوني، لكن النتيجة كانت هزيمة مخزية شهدتموها بأنفسكم. لذلك، لا تتخذوا قرارات خاطئة استناداً إلى معلومات مغلوطة”.
مزاعم وأكاذيب ترامب
وأدعى الرئيس الأمريكي أن إيران “دولة راعية للإرهاب” في المنطقة، مؤكدا استعداد واشنطن الدائم لدراسة جميع الخيارات، ومن بينها الخيارات العسكرية، عندما تواجه الولايات المتحدة تهديدا.
وزعم ترامب في خطابه عن حالة الاتحاد ، مساء الثلاثاء ، أن “إيران تسعى حاليا لتطوير صواريخ قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة”.
وأضاف “لقد طوروا صواريخ قادرة على تهديد أوروبا وقواعدنا الخارجية، ويعملون على إنتاج صواريخ تصل إلى الولايات المتحدة، وجرى تحذيرهم من إعادة بناء برامج أسلحتهم، وخاصة النووية، ومع ذلك، فهم يبدؤون من جديد” حسب زعمه.
وتقع الولايات المتحدة على بعد أكثر من تسعة آلاف كيلومتر من الطرف الغربي لإيران.
وفي وقت سابق، قال وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، في مقابلة مع قناة الجزيرة، إن طهران لا تستطيع استهداف الأراضي الأمريكية مباشرة، لكنها ستهاجم القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط إذا شنت واشنطن ضربة عليها.
وجرت الجولة الأولى من المفاوضات الفنية، غير المباشرة، بين طهران، وواشنطن، في العاصمة العمانية مسقط، في السادس من فبراير الجاري، فيما استضافت مدينة جنيف السويسرية الجولة الثانية، في السابع عشر من الشهر نفسه.
تأكيدات بسلمية البرنامج
ويؤكد المسؤولون الإيرانيون بشكل مستمر على سلمية البرنامج النووي لبلادهم.
ففي هذا السياق، أكد وزير الخارجية الإيراني، الثلاثاء، إن بلاده ستستأنف مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية في جنيف، الخميس، استنادًا إلى التفاهمات التي تم التوصل إليها في الجولة السابقة، وذلك بعزم راسخ على التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف في أسرع وقت ممكن.
وقال عراقجي، في بيان على قناته بمنصة “تليجرام” اطلعت عليه وكالة الأنباء اليمنية (سبأ): “مواقفنا ومعتقداتنا الأساسية واضحة وضوح الشمس: لن تسعى إيران أبدًا، تحت أي ظرف من الظروف، إلى تطوير أسلحة نووية؛ وفي الوقت نفسه، لن نتخلى نحن الإيرانيون أبدًا عن حقنا في التمتع بفوائد التكنولوجيا النووية السلمية لشعبنا”.
وأضاف: “لدينا الآن فرصة تاريخية للتوصل إلى اتفاق غير مسبوق يُعالج المخاوف المشتركة ويضمن المصالح المشتركة، التوصل إلى اتفاق في المتناول، ولكن بشرط إعطاء الأولوية للدبلوماسية”.
وأكمل: “لقد أثبتنا أننا لن ندخر جهدًا في سبيل حماية سيادتنا، ونحمل هذه العزيمة نفسها إلى طاولة المفاوضات، حيث سنسعى جاهدين لتحقيق حل سلمي لأي نزاع”.
خطوط إيران الحمراء
ولم تظهر أي مؤشرات على تراجع طهران عن مواقفها أو خطوطها الحمراء، إذ تؤكد باستمرار أنها لن تفاوض الولايات المتحدة إلا في الملف النووي، وترفض بشكل قاطع إدراج البرنامج الصاروخي أو القضايا الإقليمية على جدول الأعمال.
وفيما يتعلق بالملف النووي أيضاً، حدّدت طهران عدة خطوط حمراء، في مقدمتها رفض تصفير تخصيب اليورانيوم، مشددة على أنها لن تتراجع عن هذه الثوابت تحت أي ظرف.
مرونة إيرانية لإنجاح المفاوضات
ورغم ذلك أبدت طهران مرونة فيما يمكن أن تقدمه من مبادرات لإنجاح المفاوضات.
وحول هذه المبادرات، قال الخبير الإيراني عباس أصلاني، المقرب من الخارجية الإيرانية، إنها تشمل ما يمكن أن تقدمه طهران بشأن الملف النووي بشقيه النووي ورفع العقوبات، مؤكداً أن إيران مستعدة للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة الأميركية في مجال الأنشطة النووية، ولا سيما التخصيب، وتقدم ضمانات بأن البرنامج النووي الإيراني “سلمي ولا يتجه نحو إنتاج السلاح”.
وأضاف أصلاني في حديث مع موقع “العربي الجديد” أن إيران مستعدة للتفاهم حتى بشأن مستوى التخصيب، بحيث يكون عند مستوى يبدد مخاوف الطرف الآخر ويوفر في الوقت نفسه ضمانات كاملة للطابع السلمي للبرنامج.
وأوضح أن “لدى إيران بطبيعة الحال أفكاراً في هذا الشأن، وهناك شعور بإمكانية التوصل إلى صيغة جيدة أو مناسبة”.
وأشار أصلاني إلى أن من القضايا الأخرى ذات الأهمية، والتي تُعد محورية بالنسبة لإيران في سياق المفاوضات، هي مسألة رفع العقوبات، مشدداً على أنه “لا ينبغي أن ننسى أن هدف إيران من المفاوضات هو رفع العقوبات، وليس مجرد إزالة تهديد الحرب أو المواجهة العسكرية”.
مطالب “اسرائيلية”
وتطالب الولايات المتحدة إيران بوقف أنشطتها لتخصيب اليورانيوم بالكامل، ونقل اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد، وتلوح باستخدام القوة العسكرية ضدها.
ولكن محللون سياسيون يعتبرون هذه المطالب الأمريكية لا تعدو عن كونها ترجمة حرفية لشروط رئيس وزراء العدو الصهيوني مجرم الحرب بنيامين نتنياهو.
وأرسل ترامب قوة عسكرية ضخمة إلى الشرق الأوسط تشمل حاملتي طائرات وأكثر من 12 سفينة حربية، بالإضافة إلى عدد كبير من المقاتلات وأصول أخرى، في محاولة للضغط على إيران للتوصل إلى اتفاق.
إلا أن مالم يدركه ترامب بعد هو أن الضغط لن يؤدي إلى تغيير الموقف الإيراني الثابت، ولن يحقق ما يحلم به وما يصفه بـ”الاستسلام”.
حيث قال النائب الأول لرئيس لجنة الأمن القومي الإيراني، عباس مقتدى ، إنه على الرغم من نشر الأمريكيين سفنهم ومعداتهم العسكرية في محيط المياه الإيرانية، فإن القوى السياسية الأمريكية لم تتمكن من تحقيق النتيجة المرجوة.
ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية (إرنا) عن مقتدى أنه لا ينبغي للولايات المتحدة أن تتجاهل القناة الدبلوماسية لتجنب الهزيمة في حرب إقليمية.
وأوضح أن القوة العسكرية الإيرانية ومكانة إيران الدولية استدرجت جميع القوات الأمريكية الهجومية إلى المنطقة.
الضغط لن يغيّر حسابات إيران
من جهته، سعى مستشار رئيس البرلمان الإيراني، مهدي محمدي، إلى تفنيد الافتراض الأمريكي الأساسي، موضحًا: “لطالما كان الافتراض الأمريكي الأساسي، ولا يزال ، هو أن حسابات إيران ستتغير في نهاية المطاف تحت الضغط، لطالما افترضت الولايات المتحدة أن المشكلة، إن وجدت، تكمن في درجة الضغط وليس في مبدأ استراتيجية الضغط”.
وأضاف محمدي، حسبما نقلت صحيفة المصري اليوم، “وبناءً على ذلك، وفي صراع فكري معقد، قررت القيادة والقوات المسلحة وجزء كبير من المجتمع الإيراني أن تُظهر لترامب أن الضغط، مهما بلغ مستواه، لن يُغير حسابات إيران، لماذا؟ لأنهم كانوا يعلمون أنه إذا تغيرت الحسابات تحت الضغط، فإن النتيجة الوحيدة ستكون زيادة الضغط”.
وحول ما تبحثه المفاوضات، قال مسؤول إيراني إن المفاوضات مع واشنطن تبحث التزامات إيران النووية، والتزامات الولايات المتحدة برفع العقوبات، فضلا عن التعاون الاقتصادي.
وأضاف المسؤول، في تصريحات لقناة الجزيرة، أن المفاوضات لم تبحث مسألة إخراج مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب من البلاد.
وأكد أن الحديث عن تسليم المناجم وحقول النفط لواشنطن أمر غير مطروح وغير منطقي.
وقال المسؤول الإيراني إنه “يجب النظر بواقعية للأمور، فمن الخطأ توقع نجاح المفاوضات بنسبة 100%”.
وأشار إلى أن أي مواجهة مقبلة ستستهدف مصالح واشنطن في المنطقة.
وقال إن مسار المفاوضات منفصل تماما عن استعداد إيران لمواجهة أي اعتداء، معتبرا أن هذا الاستعداد يساهم بتراجع خداع العدو.
واعتبر أن مواجهة التهديدات تجري برفع مستوى الردع، مؤكدا جاهزية القوات المسلحة الإيرانية.
من ناحيته، اعتبر نائب وزير الخارجية الإيراني، مجيد تخت روانجي ، أنه يمكن التوصل إلى اتفاق في وقت قصير إذا توفرت الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف، مضيفا ” لا نرغب بالحرب لكن سنرد في حال تعرضنا لهجوم”.
وقال مجيد تخت روانجي، إن المفاوضات مع واشنطن تقتصر على الملف النووي، وإن بلاده ستتخذ الخطوات التي تقع على عاتقها للتوصل إلى اتفاق في المحادثات النووية.
وأكد روانجي، في تصريحاته لإذاعة “إن بي أر” الأمريكية، أن إيران ستشارك “بكل صدق وحسن نية” في المفاوضات المقرر عقدها في جنيف يوم 26 فبراير الحالي.
وأوضح أن المفاوضات ستستمر بصيغة غير مباشرة كما جرى سابقًا في مسقط وجنيف، مؤكدًا أنها تقتصر على الملف النووي فقط.
وفي تعليقه على التهديدات العسكرية الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، قال تخت روانجي إن “أي حرب تبدأ قد لا يمكن السيطرة عليها”.
وأردف: “كيف يمكنكم إنهاء حرب بضربة واحدة؟ هذا رهان حقيقي بالنسبة لنا”.
فرص محدودة
ويرجح محللون وخبراء أن فرص نجاح هذه المفاوضات لتفادي المواجهة العسكرية تبدو محدودة إذا ما استمر التعنت الأميركي بفرض شروط تعجيزية على إيران.
وأبدى الخبير الإيراني، سلمان كديور، تشاؤماً بشأن نتيجة مفاوضات جنيف، وقال إن التفاؤل حيال المفاوضات مع واشنطن “مضلّل وقد يقود إلى قراءات خاطئة لمسار التطورات”.
وأوضح كديور لصحيفة “العربي الجديد” أن الشروط الأمريكية مطروحة على نحو يجعل قبولها من جانب الجمهورية الإيرانية بمثابة “استسلام ونفي لجوهرها وهويتها”، مؤكداً أنه “من هذا المنطلق، لن تقبل إيران بهذه الشروط تحت أي ظرف”.
وأضاف أن “المطالب الأمريكية لا تخرج في جوهرها عن كونها ترجمة حرفية لشروط بنيامين نتنياهو”، مشيراً إلى أنها “تشمل تصفير تخصيب اليورانيوم، وهو ما قد يترافق مع تفكيك كامل لسلسلة الإمداد النووية وفرض قيود على البرنامج الصاروخي، الأمر الذي يعني عملياً القضاء على هذه الصناعة ووقف الدعم والتسليح، أو بالأحرى تفكيك مجموعات المقاومة في المنطقة”.
وأشار كديور إلى أن حجم التحشيد الأميركي الضخم في المنطقة يُستخدم في الوهلة الأولى أداةَ ضغط سياسي ونفسي، إلا أنه رأى أن “اندلاع حرب بات احتمالاً أكبر من عدمه”، معبراً عن قناعته بأن أي مواجهة محتملة ستكون “حرباً شاملة ومتعددة الأبعاد”.










