الحديدة – سبأ: تقرير : جميل القشم
تتحول رمال تهامة إلى بساط أخضر ينسج ملامح مستقبل بيئي واقتصادي واعد، حيث تشهد محافظة الحديدة حراكاً تنموياً استثنائياً يتجاوز مفاهيم التشجير التقليدية إلى إرساء منظومة “الحزام الأخضر” كاستراتيجية وطنية شاملة.
هذا المشروع، الذي يجمع بين التخطيط الحضري وحماية البيئة، يمثل جدار صد منيعاً أمام زحف التصحر، وخطوة جسورة نحو تعزيز الممارسات الخضراء في واحدة من أهم المناطق الزراعية والمنافذ الحيوية لليمن.
ويعكس المشروع تحولا عمليا في إدارة الملف البيئي بالمحافظة، حيث انتقل العمل من مبادرات محدودة إلى برنامج متكامل تشارك في تنفيذه الجهات الحكومية واللجنة الزراعية والسمكية العليا والسلطة المحلية والمنطقة العسكرية الخامسة، إلى جانب القطاع الخاص والجمعيات الزراعية وملاك الأراضي والمزارعين.
المشروع يقوم على مسارين متكاملين؛ الأول داخل النطاق الحضري للمدينة، والثاني في محيطها الجغرافي عبر مديريات باجل والمراوعة والدريهمي، ضمن تخطيط يراعي الامتداد العمراني، وطبيعة التربة، واتجاهات الرياح، ونسب انتشار الكثبان الرملية.
في خط الحزام الأخضر الأول داخل مدينة الحديدة، تشير تقديرات مركز الرصد والتثقيف البيئي وصندوق النظافة والتحسين إلى زراعة ما بين 40 إلى 50 ألف شجرة ونبتة، توزعت على الشوارع والحدائق والساحات والجزر الوسطية والممرات المشجرة، إضافة إلى المنشآت العامة والخاصة والمزارع والمنازل. هذا الانتشار أسهم في رفع نسبة الغطاء النباتي داخل الكتلة السكانية وتحسين البيئة الحضرية.
كما عزز مشروع غرس عشرة آلاف نخلة هذا التوجه، عبر إدخال مكوّن اقتصادي إنتاجي إلى منظومة التشجير الحضري، بما يدعم الطابع الزراعي للمحافظة ويعزز الاستفادة المستدامة من المساحات المزروعة.
أما خط الحزام الأخضر الثاني، الذي يشكل الطوق النباتي المحيط بالمدينة، فقد بلغ عدد الأحزمة المنفذة والقائمة والجاري العمل فيها ألفين و460 حزاما أخضرا، بمتوسط ألف و200 شجرة لكل حزام، ليصل إجمالي الأشجار المزروعة إلى أكثر من 2.7 مليون شجرة، ما يعكس التوسع المدروس في البنية النباتية للمحافظة.
وتصدرت مديرية باجل القائمة بنحو 2000 حزام أخضر، تليها المراوعة بـ300 حزام، ثم الدريهمي بـ160 حزاما، ما يعكس اتساع نطاق المشروع وتوزعه الجغرافي المدروس حول المدينة.
ويمتد نطاق الحزام الأخضر في محيط مدينة الحديدة ضمن إطار طبيعي وإداري يشمل البحر الأحمر غربا، وباجل شمالا بنسبة 18 بالمائة من مساحة الحزام، والمراوعة شرقا بنسبة 12 بالمائة، والدريهمي جنوبا بنسبة 10 بالمائة، فيما تشغل الكثبان الرملية نحو 60 بالمائة من المساحة، الأمر الذي يبرز أهمية المشروع في تثبيت التربة والحد من حركة الرمال.
وتركز أعمال الزراعة في مناطق الكثبان على أشجار تتحمل الملوحة والجفاف مثل الأثل والسيسبان، بما يسهم في صد الرياح الرملية الموسمية المعروفة بـ”الأزيب”، وتعزيز استقرار التربة، وتحسين جودة الهواء، وخفض تأثير الحرارة على المناطق السكنية والزراعية.
ويمثل الحزام الأخضر مع البحر الأحمر خط حماية بيئيا متكاملا للمدينة، حيث يسهم في تقليص آثار التغيرات المناخية، ودعم استدامة الموارد الطبيعية، وتعزيز قدرة الأراضي الزراعية على الإنتاج.
ويهدف المشروع إلى تحقيق جملة من الأهداف الاستراتيجية، تشمل ضمان التنمية المستدامة عبر التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة، وتشجيع استخدام الطاقة المتجددة، واعتماد ممارسات فعالة لإدارة المياه، والحفاظ على التنوع البيولوجي وحماية الموائل الطبيعية.
ويجسد المشروع نموذجا للشراكة الواسعة، حيث تشارك في تنفيذه السلطة المحلية بالمحافظة والمديريات، ومكتب الاقتصاد والتجارة والاستثمار، وغرفة تجارة وصناعة الحديدة، وفرع الهيئة العامة للموارد المائية، ووحدة تمويل المشاريع والمبادرات الزراعية والسمكية، وفرع الهيئة العامة لحماية البيئة، والجمعيات الزراعية، إلى جانب القطاع الخاص والمنطقة العسكرية الخامسة.
ويشرف على المشروع لجنة الحزام الأخضر لمدينة الحديدة وما حولها، وفريق فني مختص برئاسة مستشار رئيس الوزراء لشؤون البيئة علي الأسدي، الذي يتابع التنفيذ الميداني ويوجه بتوسيع نطاق التشجير وفق خطة مرحلية تستهدف تعزيز الاستدامة البيئية والتنموية.
وأكد محافظ الحديدة عبدالله عطيفي، أن مشروع الحزام الأخضر يجسد توجيهات القيادة في تحويل التحديات البيئية إلى فرص تنموية مستدامة تخدم أبناء تهامة.
وأوضح أن السلطة المحلية تضع هذا المشروع في صدارة أولوياتها، كونه يمثل صمام أمان للمدينة من زحف الرمال، ويوفر بيئة زراعية خصبة تسهم في تحقيق الاكتفاء الذاتي وتعزيز السيادة الغذائية للوطن.
واعتبر عطيفي التوسع في زراعة آلاف الأشجار والنخيل استثماراً حقيقياً للأجيال القادمة، ويسهم في تحسين جودة الحياة وتلطيف المناخ في المحافظة، مؤكداً استمرار الدعم لضمان ديمومة هذه المنجزات وتوسعها.
من جانبه، أوضح مستشار رئيس الوزراء لشؤون البيئة رئيس فريق الحزام الأخضر، علي الأسدي، أن المشروع يعتمد على رؤية فنية وعلمية دقيقة تهدف إلى استعادة التوازن البيئي المفقود نتيجة التصحر.
وأكد أن التوجه لزراعة أكثر من مليوني شجرة في خط الحزام الثاني تمثل قفزة نوعية في هندسة البيئة اليمنية، حيث تم اختيار أصناف نباتية ذات قدرة عالية على التكيف لتشكل جدار صد منيعاً ضد التعرية والرياح الرملية.
ولفت الأسدي إلى أن دلالات المشروع تتجاوز البعد المحلي لتصل إلى المساهمة الفاعلة في الجهود الدولية للتخفيف من آثار التغير المناخي والحد من انبعاثات الكربون.
وأكد أن لجنة الحزام الأخضر وفريق العمل المختص يتابعان التنفيذ الميداني وفق خرائط بيئية ودراسات فنية تحدد أولويات التدخل، خصوصًا في المناطق التي تشغلها الكثبان الرملية بنسبة كبيرة، بما يسهم في بناء منظومة حماية طبيعية تحيط بالمدينة وتدعم استدامة التنمية.
وفي ذات السياق، أكد المدير التنفيذي لصندوق النظافة والتحسين بالحديدة، عبدالناصر الشريف، أن الصندوق يكرس كافة إمكاناته لتعزيز الغطاء النباتي داخل النطاق الحضري، بما يضمن استدامة خط الحزام الأخضر الأول.
وأوضح أن جهود التشجير في الشوارع والجزر الوسطية والساحات العامة حققت نتائج ملموسة في تحسين المظهر الجمالي للمدينة ورفع مستوى الوعي البيئي لدى السكان، مؤكداً أن الصندوق يعمل بالتنسيق مع كافة الشركاء لضمان رعاية وحماية هذه الثروة النباتية الهائلة.
وتعكس الأرقام المحققة خلال الفترة الماضية حجم التحول الذي تشهده الحديدة في مجال التوسع الأخضر، حيث يتشكل حول المدينة طوق نباتي واسع يمثل ركيزة لحماية البيئة ودعم الاقتصاد الزراعي، ويؤسس لمرحلة تنموية قائمة على استثمار الموارد الطبيعية بكفاءة ومسؤولية.
ومع استمرار غرس كل شتلة جديدة، يزداد الأمل في تحويل تهامة إلى واحة خضراء تفيض بالخير والأمان، وتظل شاهداً حياً على مرحلة من البناء والإعمار تتجاوز فيها الطموحات كل العوائق، لترسم مستقبلاً مشرقاً للإنسان والأرض في يمن الصمود.
![]()










