أثمرت الجهود الوطنية المتكاملة عن نتائج ملموسة ومتسارعة في خفض فاتورة استيراد الألبان ومشتقاتها عبر مشروع توطين الحليب، الذي عزز حضور المنتج المحلي في السوق ورفع كفاءة التوريد، وحوّل الموارد الطبيعية إلى قيمة اقتصادية حقيقية تخدم المزارع والمستهلك وتدعم الاقتصاد الوطني.
ويأتي هذا المشروع ثمرة لرؤية استراتيجية تهدف إلى استغلال المقومات البيئية والزراعية التي تتمتع بها سهول تهامة وغيرها من المحافظات والمناطق الواعدة، وتوجيهها نحو إنتاج مستدام يعزز الأمن الغذائي، ويوفر فرص دخل مستقرة لآلاف الأسر العاملة في تربية الأبقار وإنتاج الحليب.
وقد أسهم تضافر أدوار الوزارات المعنية والسلطات المحلية والجمعيات التعاونية وشركاء التنمية في بناء منظومة إنتاجية متكاملة، انعكست في ارتفاع كميات التوريد، وتحسّن جودة المنتج، وتوسّع رقعة الاستفادة، بما يؤكد نجاح النهج التشاركي في إدارة المشاريع التنموية.
وتجلت مؤشرات النجاح في خطوات عملية وتدخلات مساندة توّجت بتحقيق إنتاج تراكمي تجاوز 85 مليونا و936 ألفا و393 لترا من الحليب خلال عامين ونصف، منذ منتصف عام 2023م وحتى نهاية عام 2025م، في إنجاز عزز مسار الإحلال التدريجي للإنتاج المحلي ووسع قاعدة النشاط الاقتصادي المرتبط بسلسلة قيمة الألبان.
وجاء هذا التحول مقرونا بمؤشرات الإنتاج والتنظيم، حيث ارتفع عدد المنتجين من ألف و218 منتجا قبل تنفيذ الاستراتيجية إلى أكثر من 14 ألف منتج، وزاد عدد الأبقار المنتجة من أربعة آلاف و186 بقرة إلى نحو 40 ألف بقرة، فيما توسع عدد الجمعيات من ثلاث جمعيات إلى 16 جمعية، ما يعكس تحولا بنيويا في قاعدة الإنتاج والتنظيم المؤسسي للقطاع.
تحول نوعي:
ترتكز استراتيجية توطين الحليب على تعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليص فجوة الاستيراد في الألبان ومشتقاتها، حيث يبلغ إجمالي احتياج السوق مليون و374 ألفا و769 طنا سنويا، مقابل إنتاج محلي يغطي 31 بالمائة من هذا الاحتياج، وبفجوة غذائية تبلغ 69 بالمائة.
وحسب التقارير الحكومية، بلغت كمية المستورد من الألبان ومشتقاتها خلال عام 2023م 114 ألفا و587 طنا بقيمة 384 مليونا و928 ألفا و748 دولارا، وهو ما يعادل احتياجا من الحليب الخام يقدر بنحو 960 مليونا و932 ألفا و680 لترا سنويا، أو ما يعادل مليونين و632 ألفا و692 لترا يوميا لتغطية الفجوة.
ويأتي مشروع توطين الحليب كخطوة عملية لردم هذه الفجوة تدريجيا، حيث غطى الإنتاج المحلي خلال عام 2025م نسبة 4.93 بالمائة من فجوة الاستيراد، وحقق توفيرا في فاتورة الاستيراد بقيمة 18 مليونا و974 ألفا و572 دولارا.
دعم سلاسل القيمة:
مثلت التدخلات الحكومية نقطة الدفع الحاسمة في تسريع التحول بقطاع الحليب، عبر دعم مباشر بمتوسط 80 ريالا لكل لتر خلال عام 2025م، وبقيمة إجمالية بلغت ثمانية مليارات و803 ملايين و333 ألف ريال خلال عام ونصف، ما وفر حافزا إنتاجيا واسعا على مستوى المنتجين والجمعيات.
وارتبط هذا الدعم بمسار زمني منظم بدأ بمستويات تحفيزية أعلى خلال المراحل الأولى لتشجيع المنتجين على الدخول في منظومة التوريد، قبل أن يستقر عند متوسطه الحالي في إطار الانتقال من الدعم التحفيزي إلى الاستدامة الإنتاجية.
وترجم هذا الدعم إلى أثر اقتصادي يومي ملموس، حيث ارتفعت القيمة اليومية لإنتاج الحليب إلى 62 مليونا و800 ألف ريال، فيما سجلت الحركة المالية اليومية المرتبطة بالإنتاج والأعلاف والخدمات البيطرية 98 مليونا و564 ألف ريال، بما يعكس تشكّل نشاط اقتصادي متكامل حول سلسلة الحليب.
وامتدت التدخلات من الدعم المالي إلى بناء البنية المساندة، عبر إنشاء مراكز تجميع نموذجية، وتوفير وسائل نقل مبردة، وإنشاء مصانع أعلاف من مدخلات محلية، إلى جانب تدريب 280 عاملا في مجال الصحة الحيوانية، ما رفع كفاءة التشغيل وعزز استدامة سلسلة القيمة.
تمكين وتمويل نوعي:
وشملت تدخلات مشروع توطين الحليب مساراً تمكينياً متكاملاً استهدف تعزيز البنية التشغيلية لسلسلة الألبان وربطها بالتوسع الإنتاجي والاستثمار المحلي، عبر إقراض الجمعيات التعاونية أصولا خدمية أسهمت في رفع كفاءة العمل في مناطق الإنتاج، تمثلت في 10 عيادات بيطرية لتوسيع نطاق الخدمات الصحية الحيوانية، و27 وسيلة نقل مبردة لتعزيز سلامة التوريد، إلى جانب ألف و100 عبوة لجمع الحليب، بما حسن عمليات التداول وقلل الفاقد.
وفي محور التمكين الاقتصادي والاجتماعي، تم إقراض ألف و500 مستفيد بالأبقار ضمن برامج التمكين، بينهم ألف و45 مستفيدا من فئة المعاقين، ما وسع قاعدة المنتجين وربط الدعم بمصدر دخل منتج داخل سلسلة القيمة، وعزز دمج الفئات الأشد احتياجا في النشاط الاقتصادي الريفي.
وامتدت التدخلات إلى تعزيز الاستثمار الإنتاجي والبنية طويلة الأجل، من خلال إنشاء مزرعة نموذجية في تهامة بطاقة إنتاجية تبلغ ثلاثة آلاف بقرة سنويا، لتشكل نموذجا تطبيقيا للتوسع المنظم في إنتاج الحليب، ودعامة تنفيذية لخطة استراتيجية توطين الألبان.
كما تم تشجيع ملاك مزارع التسمين في القطاع الخاص على التحول من تربية العجول المستوردة إلى تربية الأبقار البلدية وتسويق الحليب محليا، عبر ضم خمس مزارع خاصة إلى برنامج التمكين الاقتصادي، بما أسهم في إعادة توجيه الاستثمار الخاص نحو الإنتاج المحلي المستدام.
وتكامل ذلك مع بناء القدرات المؤسسية ورفع الانضباط الإداري والصحي داخل الجمعيات، عبر تدريب 120 مجمعا على الاشتراطات الصحية لنقل وتداول الحليب، وتأهيل الهيئات الإدارية وضباط الإقراض والمحاسبين، ودعم جاهزية 20 جمعية تعاونية، في إطار رفع كفاءة إدارة التوسع والتمويل والتوريد داخل سلسلة الألبان.
سلاسل قيمة منتجة:
رفع تطور سلاسل القيمة للألبان قيمة الإنتاج خلال عام ونصف، وتوفير سيولة نقدية في الأسواق المحلية بمقدار 36 ملياراً و302 مليونا و979 ألف ريال، في مؤشر مباشر على انتقال الحليب من منتج خام إلى نشاط اقتصادي يحرك السوق المحلي ويغذي حلقات متعددة من التشغيل والخدمات.
وعلى المستوى الاجتماعي، بلغ عدد المستفيدين المباشرين من المشروع 100 ألف و418 مستفيدا بمتوسط دخل شهري للفرد قدره 28 ألفا و318 ريالا، فيما ارتفع إجمالي المستفيدين مع الإعالة الأسرية إلى 104 آلاف و418 مستفيدا.
ويشمل هذا الرقم العاملين في الإنتاج وتجميع الحليب والنقل وصناعة الأعلاف والخدمات البيطرية، حيث بلغ عدد المستفيدين المباشرين داخل حلقات التشغيل اليومية أكثر من 20 ألف مستفيد قبل احتساب الإعالة الأسرية، ما يوضح حجم التشغيل الذي وفره المشروع داخل السلسلة نفسها.
وتوسع الأثر ليشمل منظومة مساندة كاملة من النقل وتجميع الحليب وإنتاج الأعلاف والرعاية البيطرية، مولدا فرص عمل يومية ومستمرة، ومعززا الاستقرار الاقتصادي في الريف التهامي باعتباره الحاضنة الرئيسية للإنتاج.
حقق إنتاج الحليب المحلي وفراً مباشراً في فاتورة الاستيراد بلغ عشرة مليارات و56 مليونا و523 ألفا و124 ريالا خلال عام واحد، وهو ما يعادل 18 مليونا و974 ألفا و572 دولارا، في مكسب اقتصادي يترجم قيمة الإحلال المحلي بلغة الأرقام.
ويستند هذا الوفر إلى مقارنة مباشرة مع فاتورة استيراد الألبان ومشتقاتها خلال عام 2023م، التي تجاوزت 384 مليون دولار، ما يجعل التوفير المحقق مؤشرا ملموسا على فاعلية مسار الإحلال المحلي حتى في مراحله الأولى.
ويعني هذا الوفر بقاء موارد مالية كبيرة داخل الاقتصاد الوطني، ودورانها في السوق المحلية عبر المنتجين والجمعيات والأنشطة المرتبطة بسلسلة الحليب، بما يعزز النشاط الاقتصادي ويرفع العائدات داخل المجتمعات المنتجة.
وتضع هذه المؤشرات التوسع في إنتاج الحليب ضمن مسار تصحيح اختلالات الميزان التجاري الغذائي، عبر رفع مساهمة المنتج المحلي في تلبية الاحتياج وتقليص فجوة الاستيراد وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
الحديدة.. نموذج تنموي:
شهد قطاع الحليب في محافظة الحديدة تحولا بنيويا خلال الفترة من منتصف 2023م وحتى نهاية 2025م، مع تنفيذ استراتيجية توطين الحليب التي أعادت تنظيم الإنتاج وربطته بسلسلة توريد مستقرة، فارتفع الإنتاج اليومي من 16 ألفا و470 لترا إلى 157 ألف لتر يوميا، فيما رفدت المحافظة مصانع الألبان خلال العام 2025م بكمية بلغت 47 مليونا و582 ألفا و908 لترات من الحليب المحلي.
ويعكس هذا التحول استثمارا مباشرا في الميزة النسبية لسهل تهامة، حيث البيئة الملائمة لتربية الأبقار واتساع القاعدة الاجتماعية للمنتجين، ما جعل توطين الحليب مسارا تنمويا يعيد توجيه النشاط الريفي من إنتاج متفرق إلى اقتصاد محلي منظم قادر على تلبية السوق وتعزيز الدخل.
وتبرز أهمية المشروع في ارتباطه المباشر بفاتورة الاستيراد المرتفعة للألبان ومشتقاتها، ما يجعل توطين الحليب خيارا اقتصاديا استراتيجيا لتقليص الفجوة الغذائية وتعزيز الاكتفاء الذاتي ودعم استقرار السوق.
مؤشرات إنتاج الجمعيات:
أسهمت الجهود التشاركية التي قادتها قيادة السلطة المحلية في محافظة الحديدة، بالتنسيق مع الجمعيات، في تهيئة البيئة الإدارية والتنظيمية للمشروع، ما مكّن من توسيع رقعة التوريد لتشمل مديريات ذات ثقل إنتاجي واضح.
وتصدّرت جمعية الكشوبع حجم التوريد خلال العام 2025م بكمية بلغت 14 مليونا و251 ألفا و777 لترا، فيما سجلت جمعيات زرائب الأبقار والدريهمي وبيت الفقيه كميات توريد بلغت سبعة ملايين و499 ألفا و291 لترا، وستة ملايين و600 ألف و459 لترا، وخمسة ملايين و136 ألفا و974 لترا على التوالي.
وعزز هذا التوسع كفاءة سلسلة التوريد ورفع قدرة المصانع على الاعتماد على الحليب المحلي بصورة منتظمة، ما دعم استقرار السوق ورفع العائدات الاقتصادية للمجتمعات المنتجة.
الجمعيات وحشد المنتجين:
شكّلت الجمعيات التعاونية في الحديدة حجر الزاوية في تنفيذ مشروع توطين الألبان، عبر الحشد والتنظيم وتجميع الحليب من المنتجين وضمان انسياب التوريد إلى مصانع الألبان، بما حوّل التوريد من جهود متفرقة إلى منظومة عمل منتظمة تديرها مؤسسات مجتمعية فاعلة.
وتوسّعت القدرة التنظيمية للقطاع مع ارتفاع عدد الجمعيات العاملة في تجميع الحليب وربط المنتجين بالمصانع إلى 16 جمعية تعاونية، بعد أن كانت العملية مقتصرة على ثلاث جمعيات قبل الاستراتيجية، وهو توسع عزز التنسيق مع المصانع ورفع الوعي بمعايير الجودة وساعد على تحسين العائد الاقتصادي للمنتجين.
وانعكست هذه الجهود على تقليص الفاقد وضبط الكميات، حيث بلغ إجمالي الحليب التالف خلال العام 2025م مليون و329 ألفا و670 لترا بنسبة ثلاثة بالمائة من إجمالي الإنتاج، كما مكنت الجمعيات آلاف الأسر الريفية من تسويق إنتاجها بصورة منتظمة وربطها بدخل شهري مستقر ضمن منظومة إنتاج جماعي فعالة.
خطة توسع:
ترسم خطة التوسع في تهامة والمحافظات المجاورة مسارا مرحليا لرفع نسبة الاكتفاء الذاتي من الألبان إلى 15 بالمائة خلال السنتين القادمتين، عبر توسيع الطاقة الاستيعابية لسلسلة التوريد وربط مزيد من المنتجين بسوق التصنيع.
وتقوم الخطة على إنشاء مراكز استقبال جديدة للحليب في مديريات الزهرة والقناوص وبيت الفقيه وباجل والمنصورية وزبيد والدريهمي ومنطقة الزرائب، مع طاقات استيعابية تصل في بعضها إلى 50 ألف لتر يوميا، بما يضمن تغطية مناطق الإنتاج الحالية وفتح المجال لمناطق جديدة.
وتنعكس هذه التوسعة على سوق العمل عبر استهداف توفير أكثر من 200 ألف فرصة عمل في مختلف حلقات سلسلة القيمة، من الإنتاج والتجميع والنقل والأعلاف والخدمات البيطرية وصولا إلى التصنيع والتسويق، ما يجعل التوسع رافعة اقتصادية واجتماعية في مناطق الإنتاج ورافدا لسياسات التشغيل.
منتجات طبيعية منافسة:
فتح توفر الحليب الطازج المحلي مسارا لإنتاج منتجات طبيعية في السوق، شملت الحليب المبستر والزبادي والأجبان، وتسويقها عبر مصانع وطنية وجمعيات تعاونية، ما عزز حضور المنتج المحلي في منافذ البيع وربط المستهلك مباشرة بإنتاج تهامة.
وتؤكد مؤشرات السوق قدرة هذه المنتجات على المنافسة السعرية، حيث تراوحت أسعار عبوات الزبادي بين 150 و300 ريال، فيما سجلت أسعار الأجبان 1200 ريال، وهو نطاق سعري يعكس توازن تكلفة الإنتاج مع قدرة المستهلك الشرائية ويعزز الثقة بالمنتج الوطني.
ويمثل هذا التنوع اكتمالا عمليا لحلقات القيمة، مع انتقال الحليب من مادة خام إلى منتج غذائي متكامل يضيف قيمة اقتصادية ويخلق فرص عمل ويثبت جدوى التوسع في التصنيع المحلي، بما يدعم استدامة المشروع ويعزز مكاسبه على مستوى الاقتصاد والغذاء.
وتفتح تجربة مشروع توطين الحليب باباً عملياً للبناء والتوسع، عبر رفع الطاقة الاستيعابية لمراكز الاستقبال وتطوير التصنيع المحلي لمشتقات الحليب، وصولاً إلى سوق وطني يعتمد على منتج محلي منافس، ويؤكد أن الاستثمار في الإنتاج يمثل مدخلاً أساسياً للتنمية الاقتصادية المستدامة.









